• موسم الضيق

  • قصة شعر

  • الجميلة

  • أكثر من حياة

  • Sunbathing

    حماتك !!


‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل


غريبة شوية إني أسّمي قصة قصيرة باللغة العربية بعنوان بالانجليزي :) بس لما تقروا القصة هتحسوا إن دا أنسب اسم ..

أتمنى تستمتعوا بيها و مستنية آرائكم :) 

"She's just a girl and she's on fire♫♪♫
Hotter than a fantasy, lonely like a highway
She's living in a world and it's on fire
Filled with catastrophe, but she knows she can fly away♫♪♫ "

نزعت السماعات من أذنيها على هزة من يد أمها التي كانت تقول ساخطة ..
" يا بنتي انتي مش هتبطلي الهبابات اللي بتحطيها في ودانك دي .. هتطرشي بعد كدا"

هزت كتفيها و أوقفت الأغنية و انتظرت حتى انتهت أمها من القاء اللوم على هذا البتاع الذي يصدر أصواتا عالية و يجعلها تنعزل عن العالم .. ابتسامة جاهدت في اخفائها ..

ألا تدرك حقا أن أكثر ما تحبه في هذا البتاع أنه يعزلها عن هذا العالم و يسمح لها أن تعيش و لو لبعض الوقت في عالمها الخاص .. عالم حيث كل أحلامها تتحقق .. حيث تمتلك مكانا خاصا لا يشابهها فيه أحد و لا يشاركها فيه إلا من تختارهم بإرادتهم الحرة ..

عالم حيث تتأخر ليلا لأنها كانت تتجول تحت الأمطار بشعر مبلول يجعل شكلها مثيرا بينما تسير وحيدة في الليل .. عالم حيث تمتطي دراجة نارية تقودها بيد واحدة بتمكن و بسرعة عالية بينما تمرق بين السيارات كالسهم و لا أحد يمكنه أن يلحقها .. عالم حيث تعود إلى بيت ملك لها وحدها ملئ بالأغاني "الشيطانية" – كما تسميها أمها – و تسمعها بصوت عالي بدون حاجة للسماعات ..

اختطفها من أفكارها صوت أمها و هى تكرر على مسامعها كيف ستقوم بتنظيف حجرتها و كيف يجب أن يبدو دولابها .. ثم وجوب أن تقوم بنشر الغسيل بعد ذلك .. و تترك هذا البتاع و تلتفت لمذاكرتها قليلا ..

"حاضر"

كلمة مقتضبة أنهت بها اللا حوار الذي دار منذ لحظات .. أعادت السماعات إلى أذنيها بينما تقوم بتنظيف حجرتها بالقدر اللازم لكى يبدو عليها "الروقان" برغم أنها تحبها فوضوية جميلة مبعثرة الأركان .. 

" Looks like a girl, but she's a flame♫♪♫
So bright, she can burn your eyes
Better look the other way
You can try but you'll never forget her name
She's on top of the world
♫♪♫ Hottest of the hottest girls"

تراقصت على نغمات الأغنية القريبة إلى قلبها و هى تتنقل في حجرتها بخفة و "دلع" .. تناولت بمنتهى العناية كراستها الخاصة .. تصفحتها بابتسامة سعيدة .. بعض اليوميات و التمنيات المستقبلية .. رسومات بالقلم الرصاص .. تأمل أن تصبح يوما ما فنانة عظيمة الشأن .. تسافر العالم لتعرض وحاتها في معارض عالمية بينما تلتقي بموسيقيين و ممثلين و رسامين مثلها .. 

تاهت في أحلامها مجددا .. ثم فجأة اختطفت الكراسة من يدها ..
أخوها الأصغر بسنة اختطفها و أخذ يجري ضاحكا .. 
قفزت وراءه في غيظ شديد و قد احمر وجهها من الغضب ..

"هات الكراسة دي .. بقولك هاتهااااااا .. أنا قولتلك ميت مرة بكررره الهزار دا .."

"يا مااااماااا" 

أخذ يجري صارخا و هو يضحك حتى اختبئ وراء ظهر أمه مخرجا لها لسانه ..
دقت الأرض بقدميها في غيظ و هى تحاول أن تطوله بيداها .. بينما يتهرب و هو يضحك على محاولاتها اليائسة ..

تقول أمهما بحزم ..
"بلاش لعب عيال .. اديها الكراسة بتاعتها"
يخرج لسانه مجددا "لاء" 

تشعر أن الدموع تكاد تطفر من عينيها على أغلى ما في حياتها و هو يتراقص بين يدي أخوها ..
لكنها تتماسك .. لا تريده أن يشمت فيها ..
تمسك به أمها و هى تخبره أن يخرج و إياها من المطبخ فورا ..

تستغل لحظة التشتيت فتخطف الكراسة من يده ..
ينتبه لها في اللحظة الأخيرة .. فتحصل على الكراسة .. بصفحة "مقطوعة"

تنظر إلى الصفحة المقطوعة في يده في جزع .. 
صفحة على وجهها كتابة .. و على ظهرها "رسمة" ..
تصيح به في غضب " يا غبي .. يا غبي "
يغضب هو الآخر و يكاد يصيح فيها .. فتقاطعه أمهما ..

"بنت عيب كدا .. اعتذري لأخوكي .. و انت يا زفت قلت ميت مرة متغلسش على أختك" 

نظرت لأمها غير مصدقة .. فعلا ! هذا كل ما يساويه الأمر .. لقد تقطعت صفحة كاملة من نفسها .. من روحها التي أودعتها في الكراسة .. و هذا أفضل ما يمكنها أن تقوله ..

أقفلت فمها من شدة الغيظ .. و عادت إلى حجرتها و هى تضرب الأرض بقدميها في عصبية ..
تغلق الباب بعنف .. تضع السماعات في أذنيها .. و تترك لدموعها مجالا أن تنساب .. بينما تترك هذا العالم إلى عالمها الخاص .. 

" Everybody stares, as she goes by
'Cause they can see the flame that's in her eyes
Watch her when she's lighting up the night
Nobody knows that she's a lonely girl
And it's a lonely world"



/ نسمة .. غنية عن التعريف طبعا"

هكذا قدمها بابتسامة عريضة و صوته الجهوري الأجش لرئيس مجلس إدارة واحدة من أكبر الشركات العالمية العملاقة، ردت بابتسامة مرسومة على شفتيها و هى تصافحه بترحاب، ثم تتخذ مجلسها على الطاولة الأنيقة في المطعم المطل على النيل مباشرة.
غداء عمل آخر كواحد من مئات .. محامية قديرة تشهد لها الأوساط بالحنكة و الذكاء .. خبيرة لا يشق لها غبار برغم أنها لازالت في أوائل الثلاثينات من عمرها .. جميلة ذات شعر طويل يصل إلى خصرها .. عينان واسعتان ... و فم دقيق رقيق لا يتناسب مع الكلمات القانونية الكبيرة التي يطلق سهامها أحيانا ..

بدأ عميلها الملياردير يعرض مشكلته بهدوء بينما مازال يثني عليها ذلك الواسطة بينهما بكلمة بين الحين و الآخر ..
كم تتمنى لو تسكته قليلا .. !
استمعت في هدوء مصغي .. و هى تلقي بتعليقات مناسبة مختصرة ..

انقطع كلامهما بضعة دقائق بينما النادل الأنيق يحضر ما طلبوه منذ قليل ..
سهمت للحظات خلف طفلة بريئة ذات شعر في صفرة الشمس و خدود محمرة و ضحكة رائعة .. للحظة تساءلت .. هل كبرت حقا !
انصرف النادل فعادت لتركيزها مع الرجل حتى انتهى .. أخذت ملاحظاتها .. تحدثت معه قليلا .. بعض كلمات المجاملة .. ثم انصرف كل منهما إلى طريقه .

ركبت سيارتها .. لم تنطلق مباشرة .. أراحت رأسها للوراء في ارهاق .. بإمكانها أن تريح وجهها قليلا من قناع الابتسام الدائم .. لم تنم منذ البارحة .. الارق ما عاد يترك لها ليلة هانئة ... التفكير أصبح مهمة مرهقة لا تنتهي .. مهما حاولت التخلص منها .. يبدو كما لو أن شخصا آخر أصبح يعيش معها في مخها و يمثل كل ليلة فيلم "لا انام" !

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها من التشبيه .. فتذكرت ضحكة الصغيرة في المطعم .. ترى متى كانت آخر مرة ضحكت فيها من قلبها مثل الأطفال .. متى كانت آخر مرة فكت حبس الطفلة التي تسكنها و سمحت لها ان ترتكب كل الحماقات التي تشتهيها ..
متى كانت آخر مرة نامت فيها بعمق الأطفال و نالت بعضا من حلاوة أحلامهم .. أو براءة فرحتهم العارمة بقطعة حلوى و شغفهم الدافئ باكتشاف الحياة ..
أطرقت للأرض في صمت ثم همست ..
"الحمد لله"
تعلم أنها نالت نجاح يتمناه الجميع .. لكن ما فائدة النجاح حقا إن لم نكن سعداء ..
تهربت من إجابة السؤال بأن أدارت مفتاح السيارة منطلقة إلى المكتب ..
-------

مرت ساعات اليوم سريعا ، و بنهاية النهار رن تليفونها من صديقتها المفضلة ..
ردت على عجالة ... فوجدت صوتها الحماسي يقول ..
"حبيبتيييي .. مساءووو .. شو أخبارك يا حلوة"
لم تملك أن تمنع ابتسامتها العريضة بالرغم من تعبها لصوت صديقتها المحببة و هى تتصنع اللهجة اللبنانية كما تعودتا ..
ردت عليها بمثلها بابتسامة مرهقة ..
" و الله مو منيحة يا حلوة "
" ليش هيك حبيبتيي "
" والله عندي اشيا كتيرة لازم خلصها الليلة "
ضحكت صديقتها و قد تخلت عن اللهجة اللبنانية قائلة " و انتي من امتى مكانش عندك حجات كتيرة تخلصيها"
و كأنما أطلقت سهما اصاب وترا حساسا في أعماقها .. سهمت و هى تهمس .. كأنما لنفسها .. "من كتير"
لم تنتبه صديقتها و هى تكمل .. "عندي ليكي خبر حلو .. فرقة الباليه اللي حضرتيلهم من سنتين و عجبوكي أوي .. هيعملوا عرض بكرا و حجزتلنا تذكرتين :D  "
انتابتها دفقة سعادة و هى تقول .. "فعلا!"
ثم انطفأت السعادة بينما تذكرت في احباط .. "لكن بكره .. عندي اجتماع مهم .."
ساد الصمت بينهما قليلا .. ثم قالت صديقتها ..
"انتي وحشتيني .. مش وحشتيني عايزة أشوفك .. لكن وحشتيني انتي انتي .. صاحبتي الحقيقية .. وحشتني .. أوي أوي .. ارجعي لو سمحتي و كفاية غيبة .."
صمتت .. ثم بصوت مبتسم حزين .. "حاضر :)"
"الحفلة بكره الساعة 6 .. سلام"

أغلقت الهاتف .. كان هذا آخر ما ينقصها!
صار لها فترة .. تفكر في الأمر .. لم تعد تعرف نفسها .. لم تعد تقوم بأى شئ تحبه .. فقدت حسها الفكاهي الذي اشتهرت به زمانا .. لم يعد وراءها سوى الشهرة عن ذكاءها و عقليتها الألمعية .. صار تعريفها .. المحامية المشهورة .. دكتورة فلانة .. الغنية عن التعريف ..
أى تعريف ! هل هذا هو التعريف الذي يجسد حقيقتها ..
ما فائدة النجاح إذا لم أكن سعيدة ..
لكن كيف يمكنني أن اضحي بكل ما وصلت له ..؟
انبرى قلبها في سخرية قائلا .. "فعلا كيف تضحين بكل التعاسة التي تحملتيها لتصلي إلى التعاسة المثالية وسط اوراقك المهمة .."
اندفع عقلها مدافعا .. لا .. الحقيقة أنك لا تعرفين كيف تجدين السعادة .. انت خائفة من أن تتركي النجاح .. لأنك لا تعرفين ما ستجدين دونه ..

رد القلب بكلمته الأخيرة .. لا بل أنتي خائفة ان تفقدي مظهر السعادة التي يحسدك الناس عليها .. تفضلين أن تعيشي عروس خشبية مثل بينوكيو بابتسامة مرسومة و وجه ملون بدلا من أن تعودي بشرية تواجه الحياة بكل مصاعبها و تستمتع بمباهجها..
أنهت الصراع بقرص بنادول لهذا الصداع الذي لا ينتهي ..
------
صباح معتاد بعينان تخبئ سوادهما بأدوات مكياجها الغالية، راجعت جدولها سريعا .. ثم تناولت شنطتها مسرعة و نزلت من البيت ..
كان الجو رائع .. لسعات هواء باردة و شمس مشرقة .. كل ما ينقصه جلسة هادئة في مكان مفتوح و كوب قهوة عميق الرائحة ..
لم تستطع أن تبتهج و هى تعلم أنها في طريقها إلى مكتبها المغلق ..
توقفت في الاشارة .. الطريق مازال مزدحم .. زفرت في ملل ..
"امتى الاجازة تيجي و نرتاح من زحمة المدارس"

سهمت قليلا ثم تناهى إلى مسامعها حديث محتدم بين طفلة في العاشرة من عمرها و أمها في السيارة المجاورة .. و الطفلة تقول في اصرار ..
"أنا عايزة اروح مدرسة تانية يا مامي .. أنا مش مبسوطة في المدرسة دي"
" يا حبيبتي كل المدارس زى بعض"
" لاء .. المدرسة دي وحشة "
" هتروحي مدرسة تانية و تقولي نفس الكلام .. ايه اللي عرفك انك هتتبسطي في المدرسة الجديدة"
" معرفش .. لكن أنا عارفة كويس إني مش مبسوطة في المدرسة دي"

انقطع عنها خيط الكلام حين انفتحت الاشارة .. ظلت مشدوهة في مكانها بعض الشئ .. حتى انتبهت لكلاكسات السيارات وراءها فتحركت ..
بمنتهى البساطة .. أجابتها ذات العشرة الأعوام عن السؤال الذي لم تستطع أن تجيب عنه سنواتها الثلاثون ...
وصلت مكتبها و هى لا زالت تفكر بمنتهى العمق ..
مر الوقت سريعا كالعادة .. حتى حان ميعاد الاجتماع فانطلقت ..
-------
كانت صديقتها في ذات الوقت تنتظرها على باب الأوبرا على أمل أن تغير رأيها و تأتي ..
دقت الساعة السادسة .. السادسة و الربع .. السادسة و النصف ..
" آسفة إني اتأخرت"
تفاجأت بها وراءها .. فاحتضنتها في سعادة .. "كفاية انك جيتي"
أخذتها من يدها و دخلتا معا ..
جلسا في الكرسين المخصصين لهما .. و بدأ العرض الموسيقي ..
مضى الوقت بهما قليلا .. ثم همست لها صديقتها ..

"بس اشمعنى .. ؟"

"اكتشفت إني مش عارفة أنا عايزة ايه في اللحظة دي .. لكن عارفة كويس "أنا مش عايزة ايه"  "



كانت تمشي في الشارع محتضنة حقيبتها في نشوة ..

و صدي أغنية منير و صوته النوبي العذب لازال يتردد في أذنها بفرحة ...

"بس احلويت أوي يا سمارة .. لما اسمريت

لفيت الشارع و الحارة .. علي زي نقاوتك فين ما لقيت ..

يا .. يا سمارة"

ضحكت في سرها و هي تعلم أن منير غني هذه الأغنية في الحقيقة للبلح .. لكنها الآن تعلم جيدا أنها المقصودة بها ..

هي السمارة المقصودة ...

ظلت صباحات كثيرة تستمتع لهذه الأغنية من شرفة الجيران ..

بالتحديد من شرفة جارهم القريبة من منزلها منذ كان في العشرين من عمره و كانت لازالت في أولي سنواتها بالجامعة ..

كانت معرفتها به سطحية من زيارات الأعياد و المناسبات و ما شابه .. شاب لطيف أكبر منها بعامين .. حلو القسمات تبدو عليه الطيبة ..

لم تكن تعرف عنه الكثير حتي دار الحديث بينهما يوما حول الأغاني فوجدا نفسيهما بغير ترتيب مجتمعين علي حبهما للكينج .. ضحكا كثيرا يومها متفاجئين من حبهما لنفس الأغاني ذاتها .. و معرفتهما بأغاني قديمة مجهولة للكثيرين ..

لاتدري كيف اشتعل يومها وهج جديد في نفسها و لمحته في عينيه .. تقابلا بعدها عدة مرات في الشارع و في الجامعة ..

و في أحد الصباحات استيقظت علي صوت منير عالي من كاسيت قريب ..
"بس احلويت أوي يا سمارة .. لما اسمريت أوي يا سمارة "

فتحت شرفتها فوجدته يقف في الشرفة المقابلة مبتسما في مرح ..

ردت بابتسامة خجولة و عادت إلي الداخل .. ظل هو واقفا حتي رآها تخرج من باب العمارة .. و بعد أن ذهبت نزل وراءها و ذهب إلي كليتها و بمنتهي البساطة ما إن رآها حتي قال لها بابتسامة عريضة ..

"أنا هتجوزك علي فكرة"

خجلت و احمرت و ارتبكت و تلعثمت .. و من بين خجلها قالت له "انت مجنون"

"انتِ بس قولي آه و لو قلتي لاء هفضل وراكي لحد متقولي آه"

ضحكت و لم تأخذ كلامه محمل الجد .. و إن كان في قلبها فرحت .. فرحت فعلا فرحة لم تشعر بها أبدا من قبل ..

و في اليوم التالي استيقظت علي صوت منير الجميل ينساب مجددا ..

"لفيت الشارع و الحارة .. علي زي نقاوتك فين ما لقيت ..

يا .. يا سمارة"

لم تخرج إلي الشرفة هذه المرة و إنما راقبته من خلف الستار و هي تضحك في سرها .. و ذهبت إلي كليتها فوجدته بانتظارها مجددا ..

" انت تاني!"
ضحك قائلا ..
"قولي موافقة بقي يا سمارة"
حاولت أن تخفي ابتسامتها و هي تقول في خفوت ..
"هفكر"

 يوما بعد يوم .. ظل منير يصاحبها في استيقاظها حتي صارت الأغنية طقسا مقدسا لا يبتهج يومها دونه ..

و أخيرا .. وافقت ..

مرت عليهما سنتان و منير صلة الوصل بينهما بأغنيته الصباحية المبهجة حتي تخرّج حبيبها أخيرا و وجد عمل مناسب في شركة صغيرة ..

اتسعت ابتسامة علي شفتيها .. اليوم .. اليوم سيكلّم والدها في التليفون ..

كانت وصلت البيت و هي تدندن في سعادة بصوت خافت " بس احلويت أوي يا سمارة لما اسمريت"

دخلت بمفتاحها تخفي ابتسامتها بقناع من الجد لئلا تفضحها سعادتها قبل ان يعلنوها هم بخبر تقدمه ..

لكن في الحقيقة البيت كان هادئا جدا .. لا أثر لأي خبر من أي نوع ..

جلسوا إلي مائدة الغداء بنفس الأحاديث المعتادة .. لا جديد .. معقولة لم يكّلم والدها ؟؟  تري ماذا حدث .. ؟؟

انطفأت فرحتها و لم تأكل شيئا ..

لم يحدث أي شئ في باقي اليوم و هي تتحرق لمعرفة ماذا حدث ..

ظلت تتقلب طوال الليل في سهاد مؤرق .. و استيقظت في اليوم التالي بهالات سوداء حول عينيها و صمت مطبق لا تسمع فيه حسا لأغنية منير ..

ارتدت ملابسها في إحباط و ذهبت إلي كليتها ..

و هناك وجدته في انتظارها .. و عرفت كل شئ ..

لقد كلّم والدها بالفعل .. لكنه ببساطة رفضه .. رفضه دون أن يقابله .. و السبب كلمات متفرقة من والدها الدكتور عن المركز الاجتماعي و انت زي ابني لكن انا بدور لبنتي علي عريس يقدر بأمن لها مستقبلها و يكون من وسطنا الاجتماعي و الوظيفي و انت لسه صغير .. مستعجل علي إيه و ضحكة خرقاء .. بمنتهي الهدوء رفض دون أن يخبرها حتي ..!!

سكتت تماما كأن علي رأسها الطير فعلا .. لم تستطع أن تصدق أن أباها فعل ذلك حقا .. هكذا بمنتهي البساطة يقرر و ينفذ قراره في موضوع لا يتعلق بأي شخص سواها ...

شعرت بغضب و احباط شديد .. أفاقت علي صوت حبيبها و هو يقول بعد تردد و سكوت ..

"أنا .. متأكد إني بحبك .. انت انسانة رائعة .. انت فعلا نصي التاني اللي بيكملني و معنديش استعداد أكمل من غيره ..

خليني أكلم باباكي تاني .."

شعرت بصدق كلماته يفتح أبواب قلبها علي آخره و ايقنت أنه حبها الأول و الأخير ..

أومأت برأسها موافقة ..

كلّمه مرة ثانية و ثالثة .. دون فائدة .. فلم تملك حل غير أن قالت ..

"أنا هكلّمه في الموضوع"

عادت إلي المنزل بهّم لا تدري لماذا كُتب عليها أن تحمله .. هم ثقيل لا تدري فعلا لماذا يجب أن تتحمله .. كان يجب الآن ان تكون عروسة سعيدة و مبتهجة و الكل يهنأها .. تري هل كُتب عليها أن تحارب في أبسط حقوقها .. في اختيار زوجها .. !!

وصلت المنزل و انتظرت حتي المساء و فاتحت أباها في الموضوع بهدوء..

و لدهشتها لم يناقشها حتي .. و إنما انفعل كثيرا من أن جارها كلمها من الأساس .. و بنبرة سلطوية متكبرة اخبرها ان الموضوع انتهي و أنه شخص غير مناسب لها ..

ارتفع حاجبيها في انزعاج و هي تقول .. أنا من سأتزوج .. و أنا من أحدد إذا كان مناسب أم لا ..

ازداد انفعاله أكثر و هو يكيل لها السباب لأنها تتحدي قراره و تخالف أمره ... و عدم تصديقه قلة أدبها و جرأتها ..

لم تنفعل .. في الحقيقة كانت دهشتها أكبر من أي غضب مما دفعها لتقول ببساطة .. أنا حرة .. قرار الزواج قرار مصيري اقبل فيه النصيحة و لا أقبل فيه التحكم ..

استشاط غضبا .. و هدد و توعد .. فانفعلت قائلة .. أنا حرة .. دا حقي إني أختار زوجي ..

و فجأة وجدت كفه يهوي علي وجهها و هو يصرخ فيها أنها لم تعرف التربية و أنها تتحداه و خسارة فيها سنين عمره التي اضاعها في تربيتها و أنها لن تتزوج هذا الشخص إلا علي جثته ..

وجدت أمها فجأة تتدخل و تحول بينها و بينه و تدفعها للذهاب إلي حجرتها ..

لم تنطق بكلمة و خدها المحمر من كف يده ينطق بالغضب و الذهول ..

دخلت غرفتها و اقفلت الباب بالمفتاح ..

جلست علي سريرها ببطء المذهولين .. في رأسها مزيج غريب من صراخ والدها الذي لازال مستمرا بالخارج و صدي بعيد من اغنية منير ..

 بقايا فرحتها تتساقط داخل الهوة العميقة التي فجرها تحكم والدها و ردة فعله ..

لم تستطع تصدق .. لماذا .. و كيف انكسرت فرحتها .. و انكسر قلبها ..

لماذا رفض .. و كيف يرفض و هي من ستتزوج .. هي من تقرر !!

أغمضت عينيها .. و لازالت في صدمة حقيقية ..

أحقا حدث كل هذا لأنها قررت أن تختار من تحب ..
لأنها قالت .. أنا حرة .. أتزوج من أشاء !




مستلقي علي ظهره ... عيناه مغمضتان ..
نسيم عليل يداعب وجهه .. و روائح مسك تُعطره ..
ابتسامة نائمة علي شفتيه ..
يتحرك حركة بسيطة .. يبدأ في الاستيقاظ ..
يفتح عينيه ببطء .. لا يدري أين هو .. مكان واسع فسيح جميل ..
يمتد إلي ما لا نهاية و مع ذلك يوحي في نفسه بإحساس سكينة و طمأنينة ..
يتلفت حوله .. عساه يجد انسان ..
وجد ملاكا جميلا .. ملاكا حقيقيا .. تماما كما الأحلام ..
بجناحين عظيمين .. و طاقة نور فوق رأسه الأبيض الجميل ..
فغر فاهه من الدهشة .. و كان أول ما نطق به ..
" أنا فين ؟؟"
"أنت ميت"
ارتد للوراء بفزع .. ميت !!
لا يمكن ..
حدّق فيه بامعان ..
ركّز قليلا .. عله يستعيد آخر ما مر به قبل هذه النومة الطويلة .. هل هو حلم ..!
فجأة ضرب جبهته بيده في قوة ..
يا إلهي .. الثورة .. موقعة الجمل .. مبارك ..
"يا نهار اسود .. أنا مت "
أجاب الملاك بإيماءة من رأسه ..
"طب حصل إيه في الثورة؟؟ نجحنا و لا لاء ؟؟ اصحابي عايشين و لا ميتين زيي ؟؟ طب مبارك مشي؟؟"
لم يرد عليه الملاك ..
"طب أعرف بس .. هي الثورة نجحت؟"
لم يرد الملاك ..
ظل يدور في الفراغ الهائل حوله و القلق يتآكله..
ثم لمح من بعيد جسد آخر مستلقي ..
أسرع بالجري نحوه ..
تمالك أعصابه بصعوبة و هو يوقظه برفق ..
فتح الثاني عينيه ببطء و بنفس الابتسامة الناعسة ..
و ظل معه حتي أفاق و أخبره أنه هو الآخر ميت .. و أخذ يحايله حتي استوعب الصدمة ثم قبل ان يسأله .. قال الثاني ..
"يا نهار اسود .. مجلس الوزراء .. هو ايه اللي حصل .. المجلس العسكري لسه بيحكم ؟؟ "
تراجع الأول للوراء قائلا .. "مجلس عسكري إيه ؟؟ هو مبارك مشي"
رد الثاني "أيوه طبعا مشي"
قفز الأول في الهواء مهللا .. "هييييه .. يا سلام .. عملناها .. عملناها .. مبارك مشي .. الحمد لله موتي مراحش هدر .. هيييه .. مفيش ظلم تاني .. اخيرا استعدنا بلدنا ..ياه يا رب .. الحمد لله"
حدق فيه الثاني كأنه مجنون أو عبيط ..
فتوقف عن التهليل قليلا .. ثم تساءل ..
"امال مجلس عسكري إيه .. هو انت مت ازاي"
حكي له كل الأحداث التي فاتته ..
فأخذ يتقافز في جنون .. "مش معقول .. مش معقول ..
اكيد الشعب مش هيسكت علي الدم و هتك الأعراض دا .."
"آخر حاجة قبل ماوصل هنا .. أننا كنا نازلين ضد بقاء المجلس العسكري و عايزين السلطة تنتقل لرئيس مدني منتخب .."
ران الصمت عليهما .. و جلس الاثنان علي الأرض البيضاء التي تمتد إلي ما لا نهاية ..
قال الثاني بعد فترة .. "أنا لازم أعرف إيه اللي حصل"
رد الأول قائما من مكانه .. "طب قوم بينا ندور علي حد ميت .. لو ملقناش يبقي الثورة نجحت .. و لو لقينا هنعرف إيه اللي حصل "
قام كلاهما و ظلا يمشيان بلا نهاية ..
حتي وجدا ثالث .. مستلقي علي ظهره و علي شفتيه ابتسامة نائمة ..
ظلا معه حتي أفاق و استوعب صدمة أنه ميت .. ثم تذكر كيف مات .. و صرخ فجأة ..
" يا خبر .. الاعلان الدستوري .. الاتحادية .. الاخوان هاجمونا .. ناس كتير اتضربت .. إيه دا .. أنا مُت !!"
تململ الأول في ملل واضح .. فهذه ثاني مرة .. يحاول فيها اقناع من يقابله أنه ميت ..
قال له الثاني بسرعة .. "الاخوان !!!!!" "هو المجلس العسكري مشي"
رد الثالث .. "مشي من زمان و عملنا انتخابات .. و الاعادة كانت بين مرسي بتاع الاخوان .. و شفيق الفلول .. و عصرنا لمون و انتخبنا مرسي .. قام مرسي أصدر اعلان دستور ديكتاتوري .. رحنا اتظاهرنا عند الاتحادية .. و بعدين جماعته و عشيرته هاجمونا .. و بعدين .. بعدين .. أنا مُت "
قال الأول في فزع .. "هو إيه اللي بيحصل دا كله ... أنا كنت فاكر لما نشيل مبارك .. الحياة هتبقي حلوة .. و الحقوق هترجع لأصحابها .. و هنبني بلدنا .."
رد الثاني مكملا في وجل .. "و أنا كنت فاكر إن هييجي رئيس مدني منتخب من الثورة .. يقود النهضة في البلد و ينهي الحكم العسكري .."
انفعل الثالث قائلا .. "لاء .. لاء .. نهضة تاني لاء .. "
نظر له الاثنان باستغراب و لم يفهما و لم يعلقا ...
ران الصمت علي ثلاثتهم تماما ...
ثم قال الثاني ... "و الآن .. ماذا سنفعل ؟"
قال الثالث .. "يبدو أنه لا أمل"
قال الأول .. "يجب أن نكمل بحث .. إذا وجدنا ميت هنعرف إيه اللي حصل . و إذا لم نجد .. يبقي الثورة نجحت"
قاموا من مكانهم .. و لفترة طويلة طويلة ظلوا يمشون .. حتي وجدوا شخص رابع مستلقي ..
أخذ الاول يقلب أصابعه في ملل بينما الاثنان الآخران يوقظانه و يفهمانه أنه ميت .. ثم صرخ فجأة في غضب ..
"لاء .. لاء .. انا مكنتش عايز اموت قبل 30 -6 "
حدق فيه الثلاثة بدهشة ..
"هو انت مت ازاي أصلا"
 " مرسي عيّن محافظين من المتأسلمين و الاخوان .. نزلنا نتظاهر ضدهم و الدنيا ولعّت و بعدين .. بعدين .. لقيت نفسي هنا"
 سأل الأول باهتمام .. " و إيه اللي هيحصل يوم 30-6 ؟ "
" مرسي خربها علي الآخر و خلا حجم مصر قد السمسمة قصاد العالم .. و كل حاجة ماشية من سئ لأسوأ في البلد .. قمنا عملنا حركة تمرد عشان نسحب الثقة منه و نعمل انتخابات رئاسية مبكرة .. و جمعنا موافقة 15 مليون مصري ..  قام استقوي بأهله و عشيرته علينا .. و هننزل يوم 30-6 نطالب برحيله و انتخابات رئاسية مبكرة ..."
ثم سكت قليلا .. و قال في حزن .. "قصدي  هينزلوا"
همس الأول .. "يعني ثورة من أول و جديد"
رد الثاني .. "تفتكر هتنجح؟"
رد عليه نفس الرد الذي قاله من قبل .. "أدينا هندور .. إن لقينا ميت هيقولنا .. و إن ملقيناش يبقي الثورة نجحت" .







عينان محمرتان من قلة النوم و شعر "منكوش" انعكس في مرآة الحمام ..
تنهيدة عميقة ثم بيد كسولة مرت علي شعرها في محاولة بائسة لتسويته ...
5 ساعات هو كل ما طالته من النوم .. و عليها أن تسرع لتوقظ زوجها ليذهب إلي عمله ..
شدت قامتها كعسكري جيش .. بدأت استعداداتها اليومية ..
حمام سريع .. بدت بعده أحسن حالا بكثير بعدما عقصت شعرها المبلول للأعلي بطريقة جذابة و بدا وجهها اقل إرهاقا ...
عادت إلي الحجرة بخفة و أيقظته بهزة خفيفة من يدها .. قبلة معتادة علي خده ..
رفض كسول من جانبه .. ينتهي باستسلامه و فتحها للستائر ..
نفس التحية الصباحية .. و الطقوس المعتادة حول المائدة الصغيرة المعدة للافطار .. و تركيزه القليل ما بينها و بين قهوته و جريدته ..
هنيهة و اتخذ طريقه للخارج ..
ظلت جالسة مكانها .. و لم تقم لحمل الأطباق للمطبخ كالمعتاد ..
ملت و كلت من "المعتاد" ..
ما الذي أصابهما .. ما سبب الملل و الفتور الذي طغي فجأة علي كل شئ..
فكرت قليلا .. ربما هي السبب .. ربما يجدر بها أن تبتكر قليلا في الحياة ..
اغتمت قليلا .. ثم بعد تفكير عادت اشراقة الابتسامة إليها ..
قامت من مكانها و دخلت حجرة النوم و فردت شعرها أمام المرآة ..
سأقصه ..
سأقصه .. لقد اتخذت القرار ..
سأغير شكلي ربما يجذب ذلك انتباهه و يعيد إلينا بعض الحيوية المفقودة ..
ارتدت ملابسها و قبل أن تنزل ابتسمت قائلة ..
الوداع يا شعري الطويل ..
وصلت الكوافير بعد حوالي نصف الساعة ..
كان مزدحما علي آخره ..
ابتسامة معتذرة من البنت الواقفة تغسل رأس احداهن ..
فأشارت .. أن لا بأس سأنتظر ..
أحضروا لها بعض المياه الساخنة التي دست فيها يديها و قدميها ..
الوقت يمر ببطء قاتل و رائحة السشوار الساخن في المكان خانقة ..
ظلت تتسلي بمراقبة البنات .. و سماع أحاديثهن ..
و هي تفكر في زوجها العزيز .. مبتسمة في خاطرها ..
"كله لاجل خاطرك يا جميل .."
و أخييييرا .. جاء دورها بعد انتظار يقارب الساعتين ..
جلست تحت يد الكوافيرة و رأت شعرها الاسود الجميل يتساقط علي الجانبين ثم أخيرا رفعت رأسها للمرآة ..
جميلة ..
ابتسمت .. الحمد لله
مررت يدها بين خصلاته .. قصة شعر جميلة .. لا شك سيحبها ..
شعرت بالسعادة و هي تتخيل رأيه و اعجابه بشكلها ...
تحملت سخونة السشوار برغم حساسية جلدها الرقيق ..
نظرت في ساعتها .. تأخرت كثيرا .. لابد و أن تعود للبيت ..
انتهت من تصفيف شعرها و تناولت حقيبتها و انطلقت ..
عادت إلي المنزل باحساس جميل بأنوثتها و جمالها ..
ابتسامة حلوة لم تفارق ملامحها .. حتي سمعت تكة المفتاح في الباب ..
مسحت الابتسامة سريعا  في انتظار لردة فعله ..
ألقي عليها التحية و هو في طريقه إلي حجرة النوم ..
ذهبت وراءه .. و وقفت علي باب الحجرة  ..
نظر إليها متعبا و هو يتناول البيجامة من علي السرير .. و يتكلم في موضوع ما ..
معقولة لم يلحظ قصة شعرها الجديدة !
شعرت أنها تكاد تلوح له بخصلاته .. يكمل كلام في غير انتباه ..
ثم يتوقف لحظة و ينظر إليها ..
يشرق قلبها .. أخيرا
"شكلك متغير"
احباط خفيف يسري بباطنها ..
" مم آه .. قصيت شعري "
"كويس .. التغيير حلو"
فعلا!! لم تنطق بحرف .. لكن كل ما فيها عبّر عن كلمة واحدة .. فعلا !
لم يلحظ ردة فعلها و اتجه للحمام .. بينما ظلت هي واقفة مكانها ..
شعرت علي نحو عجيب أن تود لو عادت للكوافير لتلملم بقايا شعرها المقصوص ..
و تضمه إليها .. و تبكي
علي قصة شعرها ...





في زمن بعيد بعيد منذ آلاف السنين .. علي متن مركب خشبية ضعيفة البنيان، وقف رجلان يبدو علي سيماهما الوقور بين الحمالين و الشيالين و التجار و المسافرين الذي ضاق بهم المكان ..
ظلا يتطلعان في سكون نحو الافق و كل منهم مشغول بما جال بفكره و حيره ...
انتبها من تفكيرهما علي تحرك المركب بعتاده و ناسه .. فابتسم الأول (ذا الشعر الأسود) و قال للثاني (ذا الشعر الابيض) :
- أنا حقا متحمس لبدء الرحلة
بابتسامة صغيرة جاوبه :
- بالتأكيد
كان قليل الكلام تبدو عليه الهيبة و الحكمة ..


أخذ المركب يبتعد عن الشاطئ رويدا رويدا .. حتي اختفت كل المعالم و أحاط بهم البحر من كل مكان ...
بحر واسع .. عميق .. مخيف .. بلا بداية و لا نهاية .. و كأنه امتداد السماء الواسعة ..
وقف (ذا الشعر الأسود) على حافة المركب متطلعا إلى الأفق و متسائلا عن مصيره في هذه الرحلة العجيبة ..
زاغ بصره مع الأمواج المتتابعة خلف السفينة و شعر بالدوار .. فآثر الابتعاد عن الحافة

نظر حوله و ، انتبه لغياب (ذا الشعر الأبيض) عن ناظره ..
تعجب في نفسه و أخذ يبحث عنه في كل مكان علي سطح المركب .. لكن دون أثر كانما تبخر ..


صار يسأل البحارة و المسافرين .. لا لم يره أحد !!
هل تركه وحده ؟ 
تجاهل هذا الهاجس السخيف الذي لا معنى له .. فأين سيذهب في هذا البحر الشاسع ..


ظل يحاور مخابئ السفينة حتي وجده قابع في ركن خفي و بيده قطعة حديد قوية ..
اقترب منه في وجل .. و نظر من وراءه فوجد ثقبا كبيرا في أرضية المركب و البحر يبدو من تحتها مخيفا .. عميقا ... تتناثر أمواجه بشدة و عنف .. يبدو مستعدا لابتلاع من تسول له نفسه الاقتراب !


"قال بفزع لا إرادي  .. ماذا تفعل ؟؟ اتريد أن تغرقنا ؟؟"

أشار إليه (ذا الشعر الابيض) بإشارة علي فمه ألا يحدث صوتا ..
ثم قال في خفوت ..
"تذكر الشرط الذي التزمت به .."


نعم ... الشرط .. و ياله من شرط صعب .. و كيف له أن يلتزم به بعد ما رآه !

اضطر ذا الشعر الأسود أن يسكت علي مضض و قد ثار به القلق و أصبح لا يستقر في مكان و هو من حين لآخر يتخيل نفسه غريق في هذا البحر الواسع المخيف . إلي أن اذن الله بوصول المركب بالسلامة للميناء التالي ..

سارع بالنزول حامدا الله علي السلامة و الستر .. و إن كان مهموما لأولئك المساكين الذين خربت سفينتهم .. و حدثته نفسه أن يحذرهم خوفا من أن ينال منهم الغرق في رحلة مقبلة .. لكن نظرة إلى "ذا الشعر الأبيض" جعلته يغلق فمه و يتذكر الشرط الذي التزم به.


مشي الصاحبان و ظلا يتوغلان في المسير حتي دخلا غابة كثيفة الاشجار، محملة بالثمار من كل شكل و لون ..

و ما إن مشيا فيها بضعة أمتار حتى نسى ذا الشعر الأسود ما كان من قلقه من السفينة .. بل نسى نفسه و اسمه من جمال المنظر الخلاب ...
انبهار غير طبيعي بالطبيعة النضرة .. و صوت خرير المياه في جداول صغيرة بينما العصافير تزقزق في خفوت و روعة ..

توقف قليلا أمام عصفور جميل أصفر اللون .. غناءه لا مثيل له ..
كان مبهورا به حقا .. داعب رأسه باصبعه مبتسما .. ثم التفت ليتابع سيره .. فلم يجد أمامه (ذا الشعر الابيض) .. 

شعر بالقلق يساوره و يوقظه من سبات الانبهار بالجمال .. فجوة من القلق انفتحت في قلبه .. آخر مرة غاب فيها الرجل عن عينيه .. وجد فيها مصيبة! 

تقفي أثره  بصعوبة  حتي سمع صوتا خلف شجرة ضخمة .. ثم لمح ظله محنيا على الأرض ..


التف حول الشجرة فوجد (ذا الشعر الابيض) يحفر في الارض حفرة واسعة و أمامه غلام صغير أبيض البشرة .. ناعم الشعر .. جميل كالملائكة .. حاول أن يقترب منه .. فوجده "ميت" .. "مقتول"


ارتد (ذا الشعر الاسود) للوراء في فزع و حدق فيه كأنه مجنون .. ثم صرخ قائلا ..
"أجننت .. كيف تقتل غلام صغير مثله ؟؟ يا إلهي .؟ أي وحش يسكنك .. يا الهي .. يا الهي !!" 


اشار إليه (ذا الشعر الابيض) بنفس الاشارة التي جاوبه بها في السفينة .. ثم قال بهدوء قاتل ..
" هذه آخر مرة أذكرك فيها بالشرط الذي التزمت به"

اضطر (ذا الشعر الاسود) أن يصمت تماما و قد صار لا يعرف ماذا يفعل ..

أعتصر الحزن و الألم  قلبه علي الصغير الذي فارق الحياة .. يا الهي .. أى وحش يصاحبه .. ذلك الذي تخول له نفسه أن يقتل صبيا صغيرا لا ذنب له .. 

أكمل باقي الطريق ساهم لا ينطق .. و هو يجر قدماه جرا ..

و فيما هما خارجان من الغابة رأي من بعيد سيدة تجري بفزع منادية علي طفلها و زوجها أمامها يبحث في كل مكان بمنتهي الانفعال و القلق ..
انقبض قلبه و اعتصره الألم .. و قد خمن أنهما والدا الطفل الصغير ..

ظلا يمشيان في سكون حتي وصلا إلي قرية صغيرة في مكان نائي .. كان التعب قد استبد بهما و لم يتوقفا عن المضي منذ الصباح ..
كانا جائعين و متعبين ..
فدقا أول باب قابلهما طالبين شربة ماء أو كسرة خبز ..
فلم يفتح لهما أحد ... فقال (ذا الشعر الأسود) ..
"لعل ليس به أحد !"
ثم صارا يتنقلان بين أبواب البيوت دون أمل .. فبين من يغلق الأبواب في وجهيهما .. و بين من يدعي أنه غير موجود ببيته .. و من يشيح بوجهه عنهما ..
حتي انتهي بهما المسير إلي ظل حائط مائل .. استراحا إليه بعض الوقت ..
ثم قام (ذا الشعر الابيض) و بدأ بهمة يعمل علي إقامة الحائط المائل و التشديد علي بنيانه و تقويته ..
فصاح به (ذا الشعر الاسود) في استنكار ..
"كان بإمكاننا أن نأخذ عن عملك هذا أجرا نشتري به شربة ماء أو بعض الطعام !!"

هذه المرة لم يرد عليه ذا الشعر الابيض و أكمل عمله ..
ثم ما انتهي حتي أخذه من يده و سارا بعض الوقت حتي وصلا مكان مأهول ..

ثم قال (ذا الشعر الابيض) ...

"هذه نهاية رحلتنا سويا .. لكن قبل أن تذهب .. اعلم أني ما خرقت السفينة لنغرق .. و لكن لأني أردت حماية أصحابها الفقراء من بطش ملك المدينة التي نزلنا بها لكي يعزف عن الاستيلاء علي سفينتهم حين يجد بها عيبا ..

و أني قتلت الغلام لأنه كان سيكبر ليصبح  مفسد عظيم في الأرض، عاق لأهله معذبا لهم بسلوكه الفاجر .. و عسي الله أن يبدلهم خيرا منه ..

و أني لم أطلب مقابلا لترميم الحائط .. لأني لم ارد لأهل القرية أن يعلموا عنه شيئا لأن وراءه كنز عظيم لأحد أهلها الطيبين .. و قد مات و ولداه صغيران .. و أردت أن أحفظ لهما كنزهما حتي يكبرا و يجداه و يستفيدا منه ..

و ما فعلت ذلك من نفسي .. لكنها كانت اوامر الله و وحيه الذي أمرني بذلك فامتثلت .."

بالتأكيد عرفتم ماهية الحدوتة .. الحدوتة الحقيقية التي دائما ما قرأتها بعين الرواية و مشاعر الابطال و أنا اري سيدنا موسي يسير مع الخضر عليه السلام ثم يفزع لرؤية ثقب السفينة و الغلام الميت و يستنكر ترميم حائط المدينة الجاحدة ..


لكن الحقيقة الاكيدة أننا كلنا نعاني من مشكلة سيدنا موسي .. أننا لا نري إلا الحاضر و الآن .. لا نثق بما فيه الكفاية أن الشر الأعظم الذي قد يتجسد يوما أمام أعيننا فنقول هو الأذي الذي ليس بعده اذي .. قد يكون في حقيقته عين الخير و أحسن ما حدث لنا علي الاطلاق ..

الحياة مليئة بالمصاعب و المآسي و الزلازل التي تحيل حياتنا جحيما .. لكن ربما الله في هذه اللحظة يأمر جندي من جنوده بأمر فيه خير عظيم لنا و نحن لا ندري و نستنكر ..
بل ربما كان سيدنا الخضر موجود في زماننا هذا .. من يدري ! ما يعلم جنود ربك إلا هو ..

إن هذه الحدوتة الحقيقية لكفيلة بأن تمنحنا حتي آخر لحظة من عمرنا .. الاطمئنان الكافي و راحة البال .
ثقوا بالله :)


مستنية آرائكم
:)




الساعة السابعة مساء في صيف أغسطس ...
الشارع ملئ بالغادين و الرائحين .. و هي بمفردها تمشي محتضنة حقيبة يدها ..
سمراء رشيقة القد .. رائعة الجمال ..
وجه هادئ لكن تقطيبة صغيرة في جبينها تكشف عن توترها ..

"إيه يا قمر .. الجميل زعلان ليه .. دا انتي حتي ****"

تزداد التقطيبة مقدارا ... ها قد بدأت المعاناة اليومية ...

تنهيدة عميقة مفتعلة تعقبها ضحكة عريضة مختلطة بجملة " أموت أنا في الأسمراني"

تأخذ نفسا عميقا في محاولة للسيطرة علي أعصابها و هي تتجاهل ما ينهال علي أذنيها من العبارات السافلة ..

أعصابها حقا مرهقة .. أصبح الشارع مغامرة لا تدري عواقبها ..
لا تأمن المشي باطمئنان .. و لا تسلم العودة بأمان ..

خطواتها سريعة و خيالاتها المؤرقة تلاحقها ...
توقف أحدهم أمامها فجأة .. فتراجعت للوراء
ابتسم ساخرا من ردة فعلها الفزعة و ضمة حقيبتها لصدرها ..
ثم قال ... " ما تجيبي حتة "

تجاهلته و حاولت أن تتجاوزه .. فكان لها بالمرصاد مستمتعا بلعبة القط و الفأر التي تشعره بقوته في مواجهة ضعفها ..

تراجعت خطوتان و حاولت أن تعبر الشارع العارم بالبشر دون أن يحرك أحدهم ساكنا نحوها بينما بعض العيون ترقب الموقف ..

قطع عليها الطريق .. و ألقي بعبارة أخري سافلة .. و هو يمد يده إليها كأنما سأم اللعبة ..

تراجعت بفزع ثم بعزم قوتها لطمته في وجهه بحقيبتها ..

"يا بنت ال****"

انطلقت تعدو بكل الرعب الذي استولي عليها .. ظلت تعدو .. و تعدو .. و تعدو ..

التفت إليها بعضهم ضاحكا و بعضهم عابسا .. لكن ايا منهم لم يحرك ساكنا من مكانه كأنما يشاهدون مقطع من فيلم علي التلفاز ..

ظل يجري وراءها بضع دقائق كأنما يستمتع بإثارة فزعها حتي اللحظة الأخيرة ثم تركها تكمل عدو وحدها ..
ظلت تعدو .. و تعدو حتي اقتربت من الشارع الذي تسكن به ..
استندت إلي الحائط و أخذت تلتقط أنفاسها اللاهثة ..
دموع القهر في عينيها جعلتها لا تري أمامها ..
مشت الخطوات الباقية حتي العمارة ببطء .. كأنما تحمل أثقال العالم علي كتفيها ..

صعدت السلم المتهالك بانهيار حتي وصلت إلي باب الشقة ...

التقطت نفس عميق في محاولة للسيطرة علي أعصابها .. و بيد مرتجفة تناولت مفاتيحها و دخلت بلا صوت يذكر ...

ألقت تحية خافتة .. جاوبتها زمجرة من أبوها الذي تأفف من رجوعها المتأخر من عملها ... و بضع كلمات سخيفة عن لزوم الشغل و فاكرة نفسك هتبقي إيه يعني ..

ابتلعت مرارتها و دخلت حجرتها ..
أغلقت الباب .. ظلت ساكنة لم تتحرك خطوة كأنما استهلكت كل طاقة في نفسها ..

دموع تتدفق علي وجهها .. و هي تمضغ ببطء كل القهر و المهانة و المذلة التي تشعر بها ..
لسان أخرس لا يستطيع النطق بما حدث و إلا أخذت نصيبها من السباب حول قلة أدبها .. و لزوم أن تترك عملها الذي تحبه في الحال ..
و يد عاجزة مازالت تمسك بالمفتاح بين اصابعها ..
مرآة طويلة علي الحائط المقابل لها تعكس ألمها بلا هوادة ..

ظل تحدق في نفسها لحظات .. و تمنت لو تمتلك الجرأة الكافية لكي تشوه جمالها هنا و الآن لكي ترتاح للأبد ..






كانت المرة الأول التي يشعر فيها بمثل هذه الحالة من الانخطاف ..
لعله اللفظ الأدق في التعبير عن إحساسه حين يراها .. أو يطل صوتها من بعيد معلنا قدوم موكبها ..
لم يكن لها حضور طبيعي كباقي البنات ..
لا .. كان لها موكب يصاحبها كالأميرات ..
موكب من الحضور و التألق و الجاذبية .. هالة خاصة تشع نورا و بهجة في قلوب الناس .. و لمعة في عينيها كفيلة بأن تهديك صباحا جميلا مهما كانت سيئة ليلة البارحة  ..
انخطف بها فعلا ..
يشهق قلبه كلما تحدثت ..
و تتلعثم حروفه علي شفا كلماتها ..
أحمق كبير هو حين تكون موجودة .. لا يدري .. تفقده كل قدرة علي التصرف كأنما تسحره بتعويذة ما ..
ثم تنسحب روحه من جسده لتنضم لروحها الحلوة الساكنة في عينيها الواسعتين ..
و حين تتحرك .. تنصهر أعصابه فتنة بها و برقتها و أنوثتها الهادئة ..
بمنتهي الاحترام و الثبات تتحرك .. خطوات واسعة كعسكري جيش ..
لكن هيهات .. فائض الأنوثة في ابتسامتها و طلتها كفيل بأن يطغي علي أي تستر تسعي إليه ..

يحبها .. حُسم الأمر .. و وقع قضاء الله في قلبه ..
امتلكت قلبه و لا مناص من التسليم بذلك ..
سيتزوجها .. إنها الطريقة الوحيدة لحفظ ما بقي من روحه الهائمة المعلقة بها ..

سرح بخياله وراء موافقتها بإيماءة حييّة من رأسها الصغير المستدير ..
و ارتعش قلبه لفتنة وجنتيها باحمرار لون السماء وقت الغروب ..
و اكتحال عينيه بتأمل ملامحها المكللة بليل شعرها الأسود المحيط بجبينها الوضاء ..
ثم طار وراء آماله منتشيا حين رآها تسير بفستان أبيض رائع و تاج ماسي توج جمالها الآسر ..
تسير متمهلة نحوه .. مازال منخطفا بها كأول لحظة رآها فيها ..
يقبّل رأسها و يتسلم يدها من ابيها و يضمها نحو ساعده ..
الآن اصبحت امرأته .. له وحده ..

تنهد عميقا .. يا لروعة الأحلام ..
سيخبرها اليوم بمشاعره و يطلب مقابلة أهلها ...

بعد هنيهة .. رآها تدخل المكتب بابتسامة ترف على شفتيها ..
الأمور تسير علي ما يرام ... يبدو إنها في مزاج جيد ..
لم يضيّع لحظة واحدة حتي لا يستسلم مجددا لحالة الحماقة التي تنتابه حين يراها ..
توجه إليها بابتسامة عريضة ..
و قبل أن ينطق بكلمة واحدة ... انخطف قلبه .. ملتاعا .. سقط ميتا بين ضلوعه ..
عاد إلي مقعده يجر أذيال الخيبة الذهبية ..
... 
اصبعها الجميل الذي لطالما حلم بتقبيله ..
 استكان لدبلة ذهبية ذبحت حلمه ..



 ستفاجئكم القصة بمضمون شديد التناقض و التناسق علي نحو عجيب مع العنوان .. و لن تسعفكم توقعاتكم في تصنيف القصة من عنوانها فقط ..
لكن لي رجاء صغير .. بين و بينكم ..
إذا كنتم من هواة الحكم علي الآخرين .. لا تزعجوا أنفسكم بقراءتها :)



كان الوقت فجرا بينما جلست هي في حجرتها الصغيرة ..

شباك مفتوح تلعب فيه النسمات بهدوء خشية افساد سكون الليلة الهادئة..

القمر أنار الحجرة المظلمة إلا من عينيها الجميلتين ..

جالسة علي سجادة صلاة ...

تسلل إلي أسماعها صوت راديو ينبعث منه صوت أم كلثوم ..

"شوية إني أقولك يا حبيبي ..

يا ريت فيه كلمة أكتر من حبيبي .."

شملت جسدها قشعريرة قوية ... لا تدري أمصدرها الصوت الحنون ... أم كلمة "حبيبي" ...

أطرقت إلي الأرض بعينين ملونتان بشفافية الدموع التي غامت علي مقلتيها ..

حبيبي .. يا الله يا حبيبي .. يا ريت فيه كلمة أكتر من حبيبي ..

يا رب .. يا حبيبي .. إني أحبك .. و إني أشهدك أني أحبك ..
و إني لا أعلم ما سأقابلك به يوم ألقاك .. لكني أود لو يشفع لي حبي ..

يا حبيبي ..

يارب .. يقولون عني أني أكره القرآن .. لأني أحب الموسيقي ..

يقولون أحسن لي أن أسمع كلامك عن أن اسمع كلام الشيطان ..

تبللت عيناها بالدموع التي أوشكت علي الانهيار ..

يا رب أنا أعشق كلامك .. يارب يا حبيبي

أهم دخلوا في نفسي و نبشوا في قلبي حتي يعرفوا مقدار خشوعي حين استمع لك ..

 الحمد لك أنك وحدك تعلم ما تخفي أنفسنا ..

وحدك تعلم مقدار حبي و شوقي للقائك ..

بدأت لآلئ عينيها تتساقط علي وجنتيها ..

يا رب .. يقولون إني مذنبة لأني أكشف عن وجهي ..

لأني أخرج من بيتي .. لأني اترك شعري طليقا .. حتي و لو كانت واسعةُ ثيابي .. حتي لو كنت أخشاك و أرقب رضاك في كل خطوة أخطوها ..

يا رب يقولون اني سأحرق حية .. لأني أحببت ..

لأني أحبه ..

و ماذا بيدي إن كنت سبحانك ألقيت محبته في قلبي رغما عني ..

يقولون أن النار ستلتهمني لأني أكلمه .. أو أتصبر بضحكتين معه ..

يا رب يقولون أن قلبي عاصي لأني أتمني أن أقبّله ..

و أحنو عليه و أحتضنه ..

يارب أليس لهذا شرعت لنا الزواج ..!

و ماذا أفعل إذا كانوا يقولون أن شريعتك لن ينالها إلا ذا المال و المقدرة علي متطلباتهم الباهظة ..

يا رب أنا لا أريده فتنة و لا ذنبا استغفر منه ..

أنا أريده زوجا صالحا ألقاك بمحبتي له و تفانيّ في خدمته ..

عاد الراديو بصوت اعلي يقطع مناجاتها و أم كلثوم تتألق ..

" و مهما قلت لك في القلب أكتر .. "

اجهشت بالبكاء أكثر ..

و بين أنفاسها المتقطعة أخذت تكرر ببراءة الأطفال الحزاني ..

يا رب أنا بحبك أوي ..

لا تدعهم يحولوا بيني و بينك .. "




أقفلت باب الحجرة عليها و استلقت علي السرير .. شعور بالتوتر احتل معدتها الصغيرة ..
لم تستطع أن تستقر في مكان واحد ..
قامت من مكانها و أخذت تدور في الحجرة و خيالها سارح في كل ركن فيها ..
احساس غير طبيعي ..
إنها آخر ليلة .. 
آخر ليلة لها علي الاطلاق وحدها ..
و غدا فرحها ..
غدا ستكون معه .. و له 
فكرة غريبة سيطرت عليها .. انها اختارت من بين الستة مليارات نسمة علي الكوكب رجل واحد ستعيش معه ..
و كأنما اكتفت به قصة حب واحدة .. وحيدة .. واقعية 
و أعدمت كل الروايات و القصص و الخيالات الجميلة .. و تمني المستحيل ..
لا فارس أبيض بعد الآن .. 
هو .. فارسها الأبيض الذي سيخرج الآن من اطار الحكاية لينتقل للجزء الذي لم ترويه القصص أبدا .. حين يصحو من نومه .. و حين يغضب و ينزعج .. و يجوع .. و يمرض ..  و حين لا يكون رومانسيا ... و حين يأمر و يحدد و يقرر ..
توقفت لحظة بفزع شكل ملامحها ..
تأملت وجهها في المرآة .. أغمضت عينيها و أخذت نفس عميق ..
ما كل هذه الدراما !!
هذا ليس وقت أعصابها المجنونة و أفكارها الغريبة ..
إنه زوجها الآن و غدا الفرح ..
ينبغي أن تكون في أقصي حالات السعادة ..
لم يتركها شيطان التفكير في حالها .. ماذا لو كنتي اخترتي خطأ .. من أدراكي أنكما بعدما تتزوجا لن يتحول لإنسان آخر .. ربما أنتما علي وفاق الآن لأن بينكما مسافة و "البُعد بيحلّي" .. لكن حينما تكونا وجها لوجه كل يوم ستنشأ مشاكل جديدة بينكما .. قد تكتشفا أنكما مختلفان تماما .. أو قد يصيبكما الملل بعد فترة ..
قطع أفكارها صوت جرس الباب ، أعقبه صوته و زغرودة طويلة من الخادمة ...
"مش وقته خالص صراحة" 
هكذا قالت لنفسها في توتر ..
كانت تشعر بحالة من عدم الاستقرار و الخوف من المستقبل و تخشي أن يشعر بما فيها فيشكك في حبها أو سعادتها بالزواج منه ..
نفس عميق آخر .. لابد أن تتمالك نفسها ..
قضي الامر و الفرح غدا .. هو نصيبها و ليكن ما شاء الله أن يكون ..
خرجت له باستسلام عجيب و كأنها مقبلة علي نهايتها لا بداية حياتها ..
نظرت له بذقنه غير الحليقة استعداد لحلقها في الغد ..  و التعب و الارهاق المتبديان علي ملامحه من اثر تجهيزات الفرح في اليومين الماضيين .. لكنه كان سعيد .. ابتسامته تشي براحة و طمأنينة و سعادة و اقبال ..
جلست بجانبه و أخذ يحكي لها قليلا ثم بهدوء سألها ..
- مالك يا حبيبتي ؟؟
تصنعت ابتسامة زائفة لم تكن ليفوته كذبها و هي تقول ..
- لا عادي تعبانة بس و مرهقة .. إن شاء الله انام كويس و أصحي بكره مروقة ..
أعاد جملته بابتسامة مطمئنة مرددا .. 
- مالك يا حبيبتي :)
لم تستطع ان تخفي اكثر من ذلك فقالت بتردد ...
-ما أنت هتزعل 
- لا مش هازعل 
- والله هتزعل 
تناول يدها بين كفيه و نظر لها مشجعا ، شعرت بدفقة الحنان في لمسته تذيب الحواجز داخلها فاندفعت في الكلام دون تمييز .. حكت له عن كل ما شعرت به و فكرت فيه .. عن خوفها .. عن حيرتها .. عن قلقها من حياتهما معا .. من اختيارها له بكل بساطة ..
قالت كل ما في نفسها باندفاع الأطفال .. ثم شعرت أنها قالت أكثر من اللازم و خافت علي مشاعره فعادت تقول ..
- مش عارفة ... أنا فعلا بحبك .. بس مش عارفة ليه خايفة 
ظل صامتا لحظات ثم قال :
- طيب هسألك حاجة و امشي معايا للآخر .. بس جاوبي بأول حاجة تخطر في بالك
بتردد أومأت برأسها فأكمل ..
- انتِ دلوقتي في اللحظة دي بغض النظر عن المستقبل  حاسة انك بتحبيني ؟
سكتت قليلا ثم قالت ..
- آه و إلا مكنتش قدرت احكيلك كل اللي في نفسي 
- حلو ، طيب لو متجوزتنيش عموما يعني ، كان هيبقي إيه السيناريو الآخر في حياتك ..
- ممم مش عارفة !!
- أقولك أنا .. حاجة من اتنين 
إما إنك كنتي هتتجوزي واحد تاني .. ممكن عن حب و ممكن يكون صالونات .. 
أو ممكن مكونتيش تتجوزي خالص .. صح ؟
- صح ...
- طيب لو كنتي اتجوزتي واحد تاني ، كان هيبقي من غير عيوب ؟
- أكيد لاء !
- طيب .. لو هو عيوبه قليلة أوي في نظرك .. كان هيفضل فيه احتمالات إنكوا تطلعوا مختلفين بعد الجواز و لا كنتي هتبقي متأكدة مية في المية إنكوا متفقين دائما و أبدا ..
سكتت متعجبة ثم قالت:
- لاء أكيد كان هيبقي فيه احتمال إننا نطلع مختلفين 
- و يمكن تتخانقوا برضو ..
- ..... آه 
- طيب السيناريو التاني كان إنك ممكن مع ذلك لو مقابلتنيش و محبتنيش .. متقابليش برضو اي حد تاني تستريحيلوا .. و لا تحبيه .. صح ؟
- صح 
- طيب تفتكري كدا كنتي هتبقي سعيدة بإن مفيش حد يشاركك حياتك و ساعتها يا ستي .. لا فيه خوف من شخص تاني و لا غيره
تاهت في أفكارها لحظات و هو ينظر إليها ثم قالت .. 
- لا مكنتش هبقي سعيدة .. كنت برضو هبقي بدور علي انسان يشاركني حياتي 

- يعني في جميع الأحوال ، سواء اتجوزتيني أو اتجوزتي غيري أو متجوزتيش خالص في احتمالية سعادة و احتمالية نكد و تعاسة ، صح ؟
بدأت تفهم الآن ببطء .. في همس ردت :
- صح ..
بكل الحنو و الدفء في صوته قال لها بصوت هامس و قد رفع وجهها إليه:
-  بصيلي .. كويس :)
أنا حبيبك ..
 انتي تعرفيني كويس .. مش هتتفاجئي بحد جديد بكره ..
و عيوبي انتي عارفاها و عارفاني و خبزاني و حصلتلنا مشاكل من وراها كتير و قدرنا نعديها .. صح ؟

أومأت برأسها في تردد ... فأكمل :
- و مادام كدا كدا كل الاحتمالات التانية فيها فشل و نجاح .. يبقي ثقي فيا و خطي الخطوة دي معايا ..
علي الأقل انتي عارفة إن النجاح هنا طعمه حلو قوي لما نجتمع سوا و احنا بنحب بعض .. و حسيتي أد إيه المشاعر اللي بتجمعنا جميلة و قوية ...
و برضو جربتي الخناق و الزعل و عرفتي تتعاملي معاه .. 
ضحك و هو يكمل ..
- يبقي كدا احتمالات النجاح معايا أعلي من الاحتمالات التانية لأني بحبك و بتحبيني .. 

ابتسمت علي استحياء و قد هدأت مخاوفها كثيرا ، فقام من مكانه و جلس بجانبها .. ثم ضمها لصدره و ربت عليها في حنو بالغ و هو يهمس لها ..
- يا حبيبتي .. كل اختيار هتاخديه هو حياة جديدة .. لكن الفكرة ان الواحد بيحاول يختار أقل احتمالات فشل و أعلي احتمالات نجاح ..
.. و أنا بحبك ..  و بابذل و هابذل أقصي جهدي عشان اسعدك ..

و كأن كل المخاوف التي راودتها اختفت في أمان ضمته و احتواءه .. شعرت كأنها أخيرا آوت إلي وطنها بعد طول غياب ..
لأول مرة تشعر به بهذا القرب .. لأول مرة تغشاها مثل تلك السكينة و الطمأنينة إليه ..
رفعت وجهها إليه و تبسمت ابتسامة جميلة و نظرت له كأنها تنظر إليه من جديد ..
 بامتنان في نفسها لتفهمه .. و احتواءه لخوفها ..
مرت في ذاكرتها .. كل تصرف جميل منه .. و كل كلمة رقيقة ..
شعرت انها الآن بالفعل علي استعداد لحياتها الجديدة ... و علي استعداد لأن تبذل نفسها من أجل إنجاحها و من أجله هو ..
و بتلقائية الطفلة داخلها وجدت نفسها تهمس له ..
- أنا واثقة فيك