• موسم الضيق

  • قصة شعر

  • الجميلة

  • أكثر من حياة

  • Sunbathing

    حماتك !!






اشمعني الكذب ..

احترت طويلا أمام قول الرسول أن "المؤمن" قد يزني و قد يسرق لكنه أبدا لا يكذب ..
تفكرت فيه كثيرا ثم أدركت أن الحقيقة كانت تحت أنفي دون أن أدرك ..
ما هو الايمان؟
الايمان هو التصديق حقا و "صدقا" أن ما تعتقده هو الحق ..
فإن لم تكن صادقا في إيمانك أن الله هو الحق .. إن لم تكن مصدقا فعلا بوجوده .. برحمته .. بعدله .. بعفوه .. فأنت لست مؤمنا .. هكذا ببساطة
المؤمن (و ليس المسلم) لا يمكن إلا أن يكون صادقا .. و إلا انتفي عنه الايمان ..
أما الخطيئة فهي ذلة لا تنفي عنك الصدق في ايمانك ..

نحن لسنا أنبياء و لا معصومين من الخطأ .. نحن في لحظة قد نسمع كلام ابليس أو نستسلم لهوي أنفسنا فنسرق أو نقتل أو نزني ..
إننا نخطئ في كل لحظة .. و كل وقت ..
لكن اليد التي تمتد لتنقذنا في كل مرة .. هي الصدق
الصدق ثم الصدق ثم الصدق
الصدق الذي يوقظ ضمائرنا بأن ما ارتكبناه خطأ .. الصدق بأنا نادمون حقا و حريصون فعلا علي رضا الله هو ما يشفع لنا المرة تلو المرة ..
الصدق الذي جعل الله يقول لعبده العاصي الذي ما ينفك يتوب "علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال غفرت لعبدي فليعمل مايشاء"
إن الصدق لن يمنعك من ارتكاب المعاصي و الذنوب .. لكنه سيعيدك كل مرة إلي طريق الحق

الحمد لله أن الله وحده يملك الحكم علي مدي صدقنا في السعي عليه





إننا بالفعل في حاجة إلي ثورة حقيقية ..

لكنها ليست مجرد ثورة ميادين و هتافات و حناجر تشق السماء ...

إننا بحاجة إلي ثورة تقضي علي الطواغيت التي تعيش فينا و تخلق داخل كل منا ..

ثورة على التعصب و التحكم و التمسك بالرأي ..
ثورة علي الجدال الذي لا طائل من وراءه سوي اثبات أنك علي صواب ..
ثورة علي الديكتاتور الصغير الذي نمارس أفعاله المتكبرة بكل صلف و غرور في مواجهة بعضنا البعض ..

بحاجة حقيقية .. للثورة علي العقول المغسولة التي تخلق طاغية جاهل داخل كل منا .. يظن أنه أعلم العالمين و المفتي الأعظم في كل شئ .. بدءا من مكان الشارع الذي تبحث عنه حتي أدق العلوم و الفنون و القانون و الدين ..

بحاجة للقضاء علي المعلم الديكتاتور الذي يكتفي بأن يجعل الطلبة يحفظون و يحفظون و ينجحون ثم يتخرجون حميرا لا يتذكرون اي شئ مما حفظوه غصبا و اقتدارا ..

بحاجة للثورة علي دكتور الجامعة الطاغية الذي يعاقب الطلبة بامتحان تعجيزي .. و ينتقد سلوكهم و سخافتهم .. و يكره الوقت الذي يقضيه معهم .. ثم يتأفف من قلة حضورهم .. و هو لا يحرك ساكنا من مكانه و يكتفي بقراءة كتابه و اجبار الطلبة علي شراءه ...

بحاجة للثورة علي الطاغية الكامن داخل كل من يتقلد وظيفة عامة .. شرطة .. نيابة .. أو حتي موظف ضرائب .. و شعوره أنه فوق الأشخاص العاديين ..

بحاجة للثورة علي الرجل الظالم الذي يضرب اولاده ..
علي السيدة الطاغية التي تجبر أولادها علي انتهاج سبل حياة ترضيها و لا ترضيهم ..
علي رجل الدين الذي لا ينصح الناس بالحسني .. و لا يكلمهم إلا عن عذاب القبر ..

بحاجة للثورة علي منظومة الزواج التي تسخر الافراد للدوران في فلكها .. و تعتبر الحب كبيرة من الكبائر ..

نحن بحاجة لثورة حقيقية علي أنفسنا .. علي تحكمنا .. علي محاسبتنا للآخرين ..
نحن في مجملنا نشكل المسمي "كلام الناس" الذي يخشاه الآخرون دائما ..
كل واحد منا .. بحاجة لأن يثور أولا علي نفسه و مسلماته .. ثم بعد ذلك ليتحدث عن الثورة ..




مستلقي علي ظهره ... عيناه مغمضتان ..
نسيم عليل يداعب وجهه .. و روائح مسك تُعطره ..
ابتسامة نائمة علي شفتيه ..
يتحرك حركة بسيطة .. يبدأ في الاستيقاظ ..
يفتح عينيه ببطء .. لا يدري أين هو .. مكان واسع فسيح جميل ..
يمتد إلي ما لا نهاية و مع ذلك يوحي في نفسه بإحساس سكينة و طمأنينة ..
يتلفت حوله .. عساه يجد انسان ..
وجد ملاكا جميلا .. ملاكا حقيقيا .. تماما كما الأحلام ..
بجناحين عظيمين .. و طاقة نور فوق رأسه الأبيض الجميل ..
فغر فاهه من الدهشة .. و كان أول ما نطق به ..
" أنا فين ؟؟"
"أنت ميت"
ارتد للوراء بفزع .. ميت !!
لا يمكن ..
حدّق فيه بامعان ..
ركّز قليلا .. عله يستعيد آخر ما مر به قبل هذه النومة الطويلة .. هل هو حلم ..!
فجأة ضرب جبهته بيده في قوة ..
يا إلهي .. الثورة .. موقعة الجمل .. مبارك ..
"يا نهار اسود .. أنا مت "
أجاب الملاك بإيماءة من رأسه ..
"طب حصل إيه في الثورة؟؟ نجحنا و لا لاء ؟؟ اصحابي عايشين و لا ميتين زيي ؟؟ طب مبارك مشي؟؟"
لم يرد عليه الملاك ..
"طب أعرف بس .. هي الثورة نجحت؟"
لم يرد الملاك ..
ظل يدور في الفراغ الهائل حوله و القلق يتآكله..
ثم لمح من بعيد جسد آخر مستلقي ..
أسرع بالجري نحوه ..
تمالك أعصابه بصعوبة و هو يوقظه برفق ..
فتح الثاني عينيه ببطء و بنفس الابتسامة الناعسة ..
و ظل معه حتي أفاق و أخبره أنه هو الآخر ميت .. و أخذ يحايله حتي استوعب الصدمة ثم قبل ان يسأله .. قال الثاني ..
"يا نهار اسود .. مجلس الوزراء .. هو ايه اللي حصل .. المجلس العسكري لسه بيحكم ؟؟ "
تراجع الأول للوراء قائلا .. "مجلس عسكري إيه ؟؟ هو مبارك مشي"
رد الثاني "أيوه طبعا مشي"
قفز الأول في الهواء مهللا .. "هييييه .. يا سلام .. عملناها .. عملناها .. مبارك مشي .. الحمد لله موتي مراحش هدر .. هيييه .. مفيش ظلم تاني .. اخيرا استعدنا بلدنا ..ياه يا رب .. الحمد لله"
حدق فيه الثاني كأنه مجنون أو عبيط ..
فتوقف عن التهليل قليلا .. ثم تساءل ..
"امال مجلس عسكري إيه .. هو انت مت ازاي"
حكي له كل الأحداث التي فاتته ..
فأخذ يتقافز في جنون .. "مش معقول .. مش معقول ..
اكيد الشعب مش هيسكت علي الدم و هتك الأعراض دا .."
"آخر حاجة قبل ماوصل هنا .. أننا كنا نازلين ضد بقاء المجلس العسكري و عايزين السلطة تنتقل لرئيس مدني منتخب .."
ران الصمت عليهما .. و جلس الاثنان علي الأرض البيضاء التي تمتد إلي ما لا نهاية ..
قال الثاني بعد فترة .. "أنا لازم أعرف إيه اللي حصل"
رد الأول قائما من مكانه .. "طب قوم بينا ندور علي حد ميت .. لو ملقناش يبقي الثورة نجحت .. و لو لقينا هنعرف إيه اللي حصل "
قام كلاهما و ظلا يمشيان بلا نهاية ..
حتي وجدا ثالث .. مستلقي علي ظهره و علي شفتيه ابتسامة نائمة ..
ظلا معه حتي أفاق و استوعب صدمة أنه ميت .. ثم تذكر كيف مات .. و صرخ فجأة ..
" يا خبر .. الاعلان الدستوري .. الاتحادية .. الاخوان هاجمونا .. ناس كتير اتضربت .. إيه دا .. أنا مُت !!"
تململ الأول في ملل واضح .. فهذه ثاني مرة .. يحاول فيها اقناع من يقابله أنه ميت ..
قال له الثاني بسرعة .. "الاخوان !!!!!" "هو المجلس العسكري مشي"
رد الثالث .. "مشي من زمان و عملنا انتخابات .. و الاعادة كانت بين مرسي بتاع الاخوان .. و شفيق الفلول .. و عصرنا لمون و انتخبنا مرسي .. قام مرسي أصدر اعلان دستور ديكتاتوري .. رحنا اتظاهرنا عند الاتحادية .. و بعدين جماعته و عشيرته هاجمونا .. و بعدين .. بعدين .. أنا مُت "
قال الأول في فزع .. "هو إيه اللي بيحصل دا كله ... أنا كنت فاكر لما نشيل مبارك .. الحياة هتبقي حلوة .. و الحقوق هترجع لأصحابها .. و هنبني بلدنا .."
رد الثاني مكملا في وجل .. "و أنا كنت فاكر إن هييجي رئيس مدني منتخب من الثورة .. يقود النهضة في البلد و ينهي الحكم العسكري .."
انفعل الثالث قائلا .. "لاء .. لاء .. نهضة تاني لاء .. "
نظر له الاثنان باستغراب و لم يفهما و لم يعلقا ...
ران الصمت علي ثلاثتهم تماما ...
ثم قال الثاني ... "و الآن .. ماذا سنفعل ؟"
قال الثالث .. "يبدو أنه لا أمل"
قال الأول .. "يجب أن نكمل بحث .. إذا وجدنا ميت هنعرف إيه اللي حصل . و إذا لم نجد .. يبقي الثورة نجحت"
قاموا من مكانهم .. و لفترة طويلة طويلة ظلوا يمشون .. حتي وجدوا شخص رابع مستلقي ..
أخذ الاول يقلب أصابعه في ملل بينما الاثنان الآخران يوقظانه و يفهمانه أنه ميت .. ثم صرخ فجأة في غضب ..
"لاء .. لاء .. انا مكنتش عايز اموت قبل 30 -6 "
حدق فيه الثلاثة بدهشة ..
"هو انت مت ازاي أصلا"
 " مرسي عيّن محافظين من المتأسلمين و الاخوان .. نزلنا نتظاهر ضدهم و الدنيا ولعّت و بعدين .. بعدين .. لقيت نفسي هنا"
 سأل الأول باهتمام .. " و إيه اللي هيحصل يوم 30-6 ؟ "
" مرسي خربها علي الآخر و خلا حجم مصر قد السمسمة قصاد العالم .. و كل حاجة ماشية من سئ لأسوأ في البلد .. قمنا عملنا حركة تمرد عشان نسحب الثقة منه و نعمل انتخابات رئاسية مبكرة .. و جمعنا موافقة 15 مليون مصري ..  قام استقوي بأهله و عشيرته علينا .. و هننزل يوم 30-6 نطالب برحيله و انتخابات رئاسية مبكرة ..."
ثم سكت قليلا .. و قال في حزن .. "قصدي  هينزلوا"
همس الأول .. "يعني ثورة من أول و جديد"
رد الثاني .. "تفتكر هتنجح؟"
رد عليه نفس الرد الذي قاله من قبل .. "أدينا هندور .. إن لقينا ميت هيقولنا .. و إن ملقيناش يبقي الثورة نجحت" .







عينان محمرتان من قلة النوم و شعر "منكوش" انعكس في مرآة الحمام ..
تنهيدة عميقة ثم بيد كسولة مرت علي شعرها في محاولة بائسة لتسويته ...
5 ساعات هو كل ما طالته من النوم .. و عليها أن تسرع لتوقظ زوجها ليذهب إلي عمله ..
شدت قامتها كعسكري جيش .. بدأت استعداداتها اليومية ..
حمام سريع .. بدت بعده أحسن حالا بكثير بعدما عقصت شعرها المبلول للأعلي بطريقة جذابة و بدا وجهها اقل إرهاقا ...
عادت إلي الحجرة بخفة و أيقظته بهزة خفيفة من يدها .. قبلة معتادة علي خده ..
رفض كسول من جانبه .. ينتهي باستسلامه و فتحها للستائر ..
نفس التحية الصباحية .. و الطقوس المعتادة حول المائدة الصغيرة المعدة للافطار .. و تركيزه القليل ما بينها و بين قهوته و جريدته ..
هنيهة و اتخذ طريقه للخارج ..
ظلت جالسة مكانها .. و لم تقم لحمل الأطباق للمطبخ كالمعتاد ..
ملت و كلت من "المعتاد" ..
ما الذي أصابهما .. ما سبب الملل و الفتور الذي طغي فجأة علي كل شئ..
فكرت قليلا .. ربما هي السبب .. ربما يجدر بها أن تبتكر قليلا في الحياة ..
اغتمت قليلا .. ثم بعد تفكير عادت اشراقة الابتسامة إليها ..
قامت من مكانها و دخلت حجرة النوم و فردت شعرها أمام المرآة ..
سأقصه ..
سأقصه .. لقد اتخذت القرار ..
سأغير شكلي ربما يجذب ذلك انتباهه و يعيد إلينا بعض الحيوية المفقودة ..
ارتدت ملابسها و قبل أن تنزل ابتسمت قائلة ..
الوداع يا شعري الطويل ..
وصلت الكوافير بعد حوالي نصف الساعة ..
كان مزدحما علي آخره ..
ابتسامة معتذرة من البنت الواقفة تغسل رأس احداهن ..
فأشارت .. أن لا بأس سأنتظر ..
أحضروا لها بعض المياه الساخنة التي دست فيها يديها و قدميها ..
الوقت يمر ببطء قاتل و رائحة السشوار الساخن في المكان خانقة ..
ظلت تتسلي بمراقبة البنات .. و سماع أحاديثهن ..
و هي تفكر في زوجها العزيز .. مبتسمة في خاطرها ..
"كله لاجل خاطرك يا جميل .."
و أخييييرا .. جاء دورها بعد انتظار يقارب الساعتين ..
جلست تحت يد الكوافيرة و رأت شعرها الاسود الجميل يتساقط علي الجانبين ثم أخيرا رفعت رأسها للمرآة ..
جميلة ..
ابتسمت .. الحمد لله
مررت يدها بين خصلاته .. قصة شعر جميلة .. لا شك سيحبها ..
شعرت بالسعادة و هي تتخيل رأيه و اعجابه بشكلها ...
تحملت سخونة السشوار برغم حساسية جلدها الرقيق ..
نظرت في ساعتها .. تأخرت كثيرا .. لابد و أن تعود للبيت ..
انتهت من تصفيف شعرها و تناولت حقيبتها و انطلقت ..
عادت إلي المنزل باحساس جميل بأنوثتها و جمالها ..
ابتسامة حلوة لم تفارق ملامحها .. حتي سمعت تكة المفتاح في الباب ..
مسحت الابتسامة سريعا  في انتظار لردة فعله ..
ألقي عليها التحية و هو في طريقه إلي حجرة النوم ..
ذهبت وراءه .. و وقفت علي باب الحجرة  ..
نظر إليها متعبا و هو يتناول البيجامة من علي السرير .. و يتكلم في موضوع ما ..
معقولة لم يلحظ قصة شعرها الجديدة !
شعرت أنها تكاد تلوح له بخصلاته .. يكمل كلام في غير انتباه ..
ثم يتوقف لحظة و ينظر إليها ..
يشرق قلبها .. أخيرا
"شكلك متغير"
احباط خفيف يسري بباطنها ..
" مم آه .. قصيت شعري "
"كويس .. التغيير حلو"
فعلا!! لم تنطق بحرف .. لكن كل ما فيها عبّر عن كلمة واحدة .. فعلا !
لم يلحظ ردة فعلها و اتجه للحمام .. بينما ظلت هي واقفة مكانها ..
شعرت علي نحو عجيب أن تود لو عادت للكوافير لتلملم بقايا شعرها المقصوص ..
و تضمه إليها .. و تبكي
علي قصة شعرها ...





كيف استطاعوا أن يحشوا عقولنا بتلك الافكار المقيتة عن الأم الأخري التي أسموها "الحماة" ..

كيف تحبين رجلا .. دون أن تعشقي الرحم الذي احتضن روحك ..
و اليد التي عطفت عليه و أطعمته ..

كيف لا تُقبّلين أقدام الأم التي عانت لأجل أن تهبك الحياة بمجيئه ..
كيف باستطاعتك أن تقدمي لها عرفانا كافيا لاعتنائها به ليال طويلة ..
كيف تقولين عنه أنه قطعة من قلبك .. ثم تبتعدين عن تلك التي كان قطعة من لحمها و دمها ..

كيف تذوبين للمسة يده .. و ما حنوه إلا بعضا منها .. من ضمة صدرها له .. من حنانها الذي كفاه و شمله حتي شب و أصبح قادرا علي العطاء لكي ..
كيف لا تشاطرينها كل اللحظات و هو ابنك بقدر ما هو ابنها ..
كيف تحبينه حتي النخاع .. و تتزلزل الأرض تحت أقدامك من ألم يلم به .. ثم لا تشعرين بتلك التي انقبض قلبها مع كل تقطيبة جبين منه أو آهة ألم ..

كيف تعشقين ضحكته .. و تبذلين نفسك لاسعاده .. و لا تقدسين تلك التي كانت أول من رأي ضحكته .. و أول من احتفل بسّنته الأولي..
كيف تهمسين له .. أنك تعشقين وقع خطواته علي الأرض .. و كانت هي أول من صاحبته في أولي الخطوات ..
بأي عقل و أي قلب لا تستطيعين أن تحبي "أم حبيبك" ..

عزيزتي .. لا تستمعي لهم إذا ما أخبروكِ أن تبتعدي عنها و تُبقي علي مسافات بينكما ..
لا تصغي لمن تقول لكِ .. "حماتك هتعمل و هتعمل" ..
قولي لهم أنها أمك الأخري ..
و أحبيها بصدق .. أقبلي عليها كأنها أمك .. لا تجعلي الأمر واجبا ثقيلا علي نفسك لأنها بالتأكيد ستشعر بذلك ..
يكاد يكون من المستحيل .. أن تحبيها فعلا من كل قلبك .. و ألا تبادلك علي الاقل .. مودة بسيطة
و أرجوكِ ..
لا تنسي أبدا .. أنك أنتِ من سيأخذ منها حبيبها .. فرفقا بقلبها






في زمن بعيد بعيد منذ آلاف السنين .. علي متن مركب خشبية ضعيفة البنيان، وقف رجلان يبدو علي سيماهما الوقور بين الحمالين و الشيالين و التجار و المسافرين الذي ضاق بهم المكان ..
ظلا يتطلعان في سكون نحو الافق و كل منهم مشغول بما جال بفكره و حيره ...
انتبها من تفكيرهما علي تحرك المركب بعتاده و ناسه .. فابتسم الأول (ذا الشعر الأسود) و قال للثاني (ذا الشعر الابيض) :
- أنا حقا متحمس لبدء الرحلة
بابتسامة صغيرة جاوبه :
- بالتأكيد
كان قليل الكلام تبدو عليه الهيبة و الحكمة ..


أخذ المركب يبتعد عن الشاطئ رويدا رويدا .. حتي اختفت كل المعالم و أحاط بهم البحر من كل مكان ...
بحر واسع .. عميق .. مخيف .. بلا بداية و لا نهاية .. و كأنه امتداد السماء الواسعة ..
وقف (ذا الشعر الأسود) على حافة المركب متطلعا إلى الأفق و متسائلا عن مصيره في هذه الرحلة العجيبة ..
زاغ بصره مع الأمواج المتتابعة خلف السفينة و شعر بالدوار .. فآثر الابتعاد عن الحافة

نظر حوله و ، انتبه لغياب (ذا الشعر الأبيض) عن ناظره ..
تعجب في نفسه و أخذ يبحث عنه في كل مكان علي سطح المركب .. لكن دون أثر كانما تبخر ..


صار يسأل البحارة و المسافرين .. لا لم يره أحد !!
هل تركه وحده ؟ 
تجاهل هذا الهاجس السخيف الذي لا معنى له .. فأين سيذهب في هذا البحر الشاسع ..


ظل يحاور مخابئ السفينة حتي وجده قابع في ركن خفي و بيده قطعة حديد قوية ..
اقترب منه في وجل .. و نظر من وراءه فوجد ثقبا كبيرا في أرضية المركب و البحر يبدو من تحتها مخيفا .. عميقا ... تتناثر أمواجه بشدة و عنف .. يبدو مستعدا لابتلاع من تسول له نفسه الاقتراب !


"قال بفزع لا إرادي  .. ماذا تفعل ؟؟ اتريد أن تغرقنا ؟؟"

أشار إليه (ذا الشعر الابيض) بإشارة علي فمه ألا يحدث صوتا ..
ثم قال في خفوت ..
"تذكر الشرط الذي التزمت به .."


نعم ... الشرط .. و ياله من شرط صعب .. و كيف له أن يلتزم به بعد ما رآه !

اضطر ذا الشعر الأسود أن يسكت علي مضض و قد ثار به القلق و أصبح لا يستقر في مكان و هو من حين لآخر يتخيل نفسه غريق في هذا البحر الواسع المخيف . إلي أن اذن الله بوصول المركب بالسلامة للميناء التالي ..

سارع بالنزول حامدا الله علي السلامة و الستر .. و إن كان مهموما لأولئك المساكين الذين خربت سفينتهم .. و حدثته نفسه أن يحذرهم خوفا من أن ينال منهم الغرق في رحلة مقبلة .. لكن نظرة إلى "ذا الشعر الأبيض" جعلته يغلق فمه و يتذكر الشرط الذي التزم به.


مشي الصاحبان و ظلا يتوغلان في المسير حتي دخلا غابة كثيفة الاشجار، محملة بالثمار من كل شكل و لون ..

و ما إن مشيا فيها بضعة أمتار حتى نسى ذا الشعر الأسود ما كان من قلقه من السفينة .. بل نسى نفسه و اسمه من جمال المنظر الخلاب ...
انبهار غير طبيعي بالطبيعة النضرة .. و صوت خرير المياه في جداول صغيرة بينما العصافير تزقزق في خفوت و روعة ..

توقف قليلا أمام عصفور جميل أصفر اللون .. غناءه لا مثيل له ..
كان مبهورا به حقا .. داعب رأسه باصبعه مبتسما .. ثم التفت ليتابع سيره .. فلم يجد أمامه (ذا الشعر الابيض) .. 

شعر بالقلق يساوره و يوقظه من سبات الانبهار بالجمال .. فجوة من القلق انفتحت في قلبه .. آخر مرة غاب فيها الرجل عن عينيه .. وجد فيها مصيبة! 

تقفي أثره  بصعوبة  حتي سمع صوتا خلف شجرة ضخمة .. ثم لمح ظله محنيا على الأرض ..


التف حول الشجرة فوجد (ذا الشعر الابيض) يحفر في الارض حفرة واسعة و أمامه غلام صغير أبيض البشرة .. ناعم الشعر .. جميل كالملائكة .. حاول أن يقترب منه .. فوجده "ميت" .. "مقتول"


ارتد (ذا الشعر الاسود) للوراء في فزع و حدق فيه كأنه مجنون .. ثم صرخ قائلا ..
"أجننت .. كيف تقتل غلام صغير مثله ؟؟ يا إلهي .؟ أي وحش يسكنك .. يا الهي .. يا الهي !!" 


اشار إليه (ذا الشعر الابيض) بنفس الاشارة التي جاوبه بها في السفينة .. ثم قال بهدوء قاتل ..
" هذه آخر مرة أذكرك فيها بالشرط الذي التزمت به"

اضطر (ذا الشعر الاسود) أن يصمت تماما و قد صار لا يعرف ماذا يفعل ..

أعتصر الحزن و الألم  قلبه علي الصغير الذي فارق الحياة .. يا الهي .. أى وحش يصاحبه .. ذلك الذي تخول له نفسه أن يقتل صبيا صغيرا لا ذنب له .. 

أكمل باقي الطريق ساهم لا ينطق .. و هو يجر قدماه جرا ..

و فيما هما خارجان من الغابة رأي من بعيد سيدة تجري بفزع منادية علي طفلها و زوجها أمامها يبحث في كل مكان بمنتهي الانفعال و القلق ..
انقبض قلبه و اعتصره الألم .. و قد خمن أنهما والدا الطفل الصغير ..

ظلا يمشيان في سكون حتي وصلا إلي قرية صغيرة في مكان نائي .. كان التعب قد استبد بهما و لم يتوقفا عن المضي منذ الصباح ..
كانا جائعين و متعبين ..
فدقا أول باب قابلهما طالبين شربة ماء أو كسرة خبز ..
فلم يفتح لهما أحد ... فقال (ذا الشعر الأسود) ..
"لعل ليس به أحد !"
ثم صارا يتنقلان بين أبواب البيوت دون أمل .. فبين من يغلق الأبواب في وجهيهما .. و بين من يدعي أنه غير موجود ببيته .. و من يشيح بوجهه عنهما ..
حتي انتهي بهما المسير إلي ظل حائط مائل .. استراحا إليه بعض الوقت ..
ثم قام (ذا الشعر الابيض) و بدأ بهمة يعمل علي إقامة الحائط المائل و التشديد علي بنيانه و تقويته ..
فصاح به (ذا الشعر الاسود) في استنكار ..
"كان بإمكاننا أن نأخذ عن عملك هذا أجرا نشتري به شربة ماء أو بعض الطعام !!"

هذه المرة لم يرد عليه ذا الشعر الابيض و أكمل عمله ..
ثم ما انتهي حتي أخذه من يده و سارا بعض الوقت حتي وصلا مكان مأهول ..

ثم قال (ذا الشعر الابيض) ...

"هذه نهاية رحلتنا سويا .. لكن قبل أن تذهب .. اعلم أني ما خرقت السفينة لنغرق .. و لكن لأني أردت حماية أصحابها الفقراء من بطش ملك المدينة التي نزلنا بها لكي يعزف عن الاستيلاء علي سفينتهم حين يجد بها عيبا ..

و أني قتلت الغلام لأنه كان سيكبر ليصبح  مفسد عظيم في الأرض، عاق لأهله معذبا لهم بسلوكه الفاجر .. و عسي الله أن يبدلهم خيرا منه ..

و أني لم أطلب مقابلا لترميم الحائط .. لأني لم ارد لأهل القرية أن يعلموا عنه شيئا لأن وراءه كنز عظيم لأحد أهلها الطيبين .. و قد مات و ولداه صغيران .. و أردت أن أحفظ لهما كنزهما حتي يكبرا و يجداه و يستفيدا منه ..

و ما فعلت ذلك من نفسي .. لكنها كانت اوامر الله و وحيه الذي أمرني بذلك فامتثلت .."

بالتأكيد عرفتم ماهية الحدوتة .. الحدوتة الحقيقية التي دائما ما قرأتها بعين الرواية و مشاعر الابطال و أنا اري سيدنا موسي يسير مع الخضر عليه السلام ثم يفزع لرؤية ثقب السفينة و الغلام الميت و يستنكر ترميم حائط المدينة الجاحدة ..


لكن الحقيقة الاكيدة أننا كلنا نعاني من مشكلة سيدنا موسي .. أننا لا نري إلا الحاضر و الآن .. لا نثق بما فيه الكفاية أن الشر الأعظم الذي قد يتجسد يوما أمام أعيننا فنقول هو الأذي الذي ليس بعده اذي .. قد يكون في حقيقته عين الخير و أحسن ما حدث لنا علي الاطلاق ..

الحياة مليئة بالمصاعب و المآسي و الزلازل التي تحيل حياتنا جحيما .. لكن ربما الله في هذه اللحظة يأمر جندي من جنوده بأمر فيه خير عظيم لنا و نحن لا ندري و نستنكر ..
بل ربما كان سيدنا الخضر موجود في زماننا هذا .. من يدري ! ما يعلم جنود ربك إلا هو ..

إن هذه الحدوتة الحقيقية لكفيلة بأن تمنحنا حتي آخر لحظة من عمرنا .. الاطمئنان الكافي و راحة البال .
ثقوا بالله :)


مستنية آرائكم
:)




الساعة السابعة مساء في صيف أغسطس ...
الشارع ملئ بالغادين و الرائحين .. و هي بمفردها تمشي محتضنة حقيبة يدها ..
سمراء رشيقة القد .. رائعة الجمال ..
وجه هادئ لكن تقطيبة صغيرة في جبينها تكشف عن توترها ..

"إيه يا قمر .. الجميل زعلان ليه .. دا انتي حتي ****"

تزداد التقطيبة مقدارا ... ها قد بدأت المعاناة اليومية ...

تنهيدة عميقة مفتعلة تعقبها ضحكة عريضة مختلطة بجملة " أموت أنا في الأسمراني"

تأخذ نفسا عميقا في محاولة للسيطرة علي أعصابها و هي تتجاهل ما ينهال علي أذنيها من العبارات السافلة ..

أعصابها حقا مرهقة .. أصبح الشارع مغامرة لا تدري عواقبها ..
لا تأمن المشي باطمئنان .. و لا تسلم العودة بأمان ..

خطواتها سريعة و خيالاتها المؤرقة تلاحقها ...
توقف أحدهم أمامها فجأة .. فتراجعت للوراء
ابتسم ساخرا من ردة فعلها الفزعة و ضمة حقيبتها لصدرها ..
ثم قال ... " ما تجيبي حتة "

تجاهلته و حاولت أن تتجاوزه .. فكان لها بالمرصاد مستمتعا بلعبة القط و الفأر التي تشعره بقوته في مواجهة ضعفها ..

تراجعت خطوتان و حاولت أن تعبر الشارع العارم بالبشر دون أن يحرك أحدهم ساكنا نحوها بينما بعض العيون ترقب الموقف ..

قطع عليها الطريق .. و ألقي بعبارة أخري سافلة .. و هو يمد يده إليها كأنما سأم اللعبة ..

تراجعت بفزع ثم بعزم قوتها لطمته في وجهه بحقيبتها ..

"يا بنت ال****"

انطلقت تعدو بكل الرعب الذي استولي عليها .. ظلت تعدو .. و تعدو .. و تعدو ..

التفت إليها بعضهم ضاحكا و بعضهم عابسا .. لكن ايا منهم لم يحرك ساكنا من مكانه كأنما يشاهدون مقطع من فيلم علي التلفاز ..

ظل يجري وراءها بضع دقائق كأنما يستمتع بإثارة فزعها حتي اللحظة الأخيرة ثم تركها تكمل عدو وحدها ..
ظلت تعدو .. و تعدو حتي اقتربت من الشارع الذي تسكن به ..
استندت إلي الحائط و أخذت تلتقط أنفاسها اللاهثة ..
دموع القهر في عينيها جعلتها لا تري أمامها ..
مشت الخطوات الباقية حتي العمارة ببطء .. كأنما تحمل أثقال العالم علي كتفيها ..

صعدت السلم المتهالك بانهيار حتي وصلت إلي باب الشقة ...

التقطت نفس عميق في محاولة للسيطرة علي أعصابها .. و بيد مرتجفة تناولت مفاتيحها و دخلت بلا صوت يذكر ...

ألقت تحية خافتة .. جاوبتها زمجرة من أبوها الذي تأفف من رجوعها المتأخر من عملها ... و بضع كلمات سخيفة عن لزوم الشغل و فاكرة نفسك هتبقي إيه يعني ..

ابتلعت مرارتها و دخلت حجرتها ..
أغلقت الباب .. ظلت ساكنة لم تتحرك خطوة كأنما استهلكت كل طاقة في نفسها ..

دموع تتدفق علي وجهها .. و هي تمضغ ببطء كل القهر و المهانة و المذلة التي تشعر بها ..
لسان أخرس لا يستطيع النطق بما حدث و إلا أخذت نصيبها من السباب حول قلة أدبها .. و لزوم أن تترك عملها الذي تحبه في الحال ..
و يد عاجزة مازالت تمسك بالمفتاح بين اصابعها ..
مرآة طويلة علي الحائط المقابل لها تعكس ألمها بلا هوادة ..

ظل تحدق في نفسها لحظات .. و تمنت لو تمتلك الجرأة الكافية لكي تشوه جمالها هنا و الآن لكي ترتاح للأبد ..






كانت المرة الأول التي يشعر فيها بمثل هذه الحالة من الانخطاف ..
لعله اللفظ الأدق في التعبير عن إحساسه حين يراها .. أو يطل صوتها من بعيد معلنا قدوم موكبها ..
لم يكن لها حضور طبيعي كباقي البنات ..
لا .. كان لها موكب يصاحبها كالأميرات ..
موكب من الحضور و التألق و الجاذبية .. هالة خاصة تشع نورا و بهجة في قلوب الناس .. و لمعة في عينيها كفيلة بأن تهديك صباحا جميلا مهما كانت سيئة ليلة البارحة  ..
انخطف بها فعلا ..
يشهق قلبه كلما تحدثت ..
و تتلعثم حروفه علي شفا كلماتها ..
أحمق كبير هو حين تكون موجودة .. لا يدري .. تفقده كل قدرة علي التصرف كأنما تسحره بتعويذة ما ..
ثم تنسحب روحه من جسده لتنضم لروحها الحلوة الساكنة في عينيها الواسعتين ..
و حين تتحرك .. تنصهر أعصابه فتنة بها و برقتها و أنوثتها الهادئة ..
بمنتهي الاحترام و الثبات تتحرك .. خطوات واسعة كعسكري جيش ..
لكن هيهات .. فائض الأنوثة في ابتسامتها و طلتها كفيل بأن يطغي علي أي تستر تسعي إليه ..

يحبها .. حُسم الأمر .. و وقع قضاء الله في قلبه ..
امتلكت قلبه و لا مناص من التسليم بذلك ..
سيتزوجها .. إنها الطريقة الوحيدة لحفظ ما بقي من روحه الهائمة المعلقة بها ..

سرح بخياله وراء موافقتها بإيماءة حييّة من رأسها الصغير المستدير ..
و ارتعش قلبه لفتنة وجنتيها باحمرار لون السماء وقت الغروب ..
و اكتحال عينيه بتأمل ملامحها المكللة بليل شعرها الأسود المحيط بجبينها الوضاء ..
ثم طار وراء آماله منتشيا حين رآها تسير بفستان أبيض رائع و تاج ماسي توج جمالها الآسر ..
تسير متمهلة نحوه .. مازال منخطفا بها كأول لحظة رآها فيها ..
يقبّل رأسها و يتسلم يدها من ابيها و يضمها نحو ساعده ..
الآن اصبحت امرأته .. له وحده ..

تنهد عميقا .. يا لروعة الأحلام ..
سيخبرها اليوم بمشاعره و يطلب مقابلة أهلها ...

بعد هنيهة .. رآها تدخل المكتب بابتسامة ترف على شفتيها ..
الأمور تسير علي ما يرام ... يبدو إنها في مزاج جيد ..
لم يضيّع لحظة واحدة حتي لا يستسلم مجددا لحالة الحماقة التي تنتابه حين يراها ..
توجه إليها بابتسامة عريضة ..
و قبل أن ينطق بكلمة واحدة ... انخطف قلبه .. ملتاعا .. سقط ميتا بين ضلوعه ..
عاد إلي مقعده يجر أذيال الخيبة الذهبية ..
... 
اصبعها الجميل الذي لطالما حلم بتقبيله ..
 استكان لدبلة ذهبية ذبحت حلمه ..